حبيب الله الهاشمي الخوئي

284

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أشبه ذلك ، فقد يقال : إنّ الهمزة للانكار وقد يقال إنها للتقرير وكلاهما حسن انتهى . ومن ذلك علم أنّ الهمزة في قوله ( أوليس عجبا ) أيضا تحتمل الانكار والتقرير كالجملة السابقة إلَّا أنّ بينهما فرقا ، وهو أنّ الانكار في السابق للتوبيخ وهنا للابطال ، ومقتضاه أن يكون ما بعده غير واقع ومدعيه كاذبا فيكون مفاده إنكار عدم العجب وأنّ من ادّعى عدمه فهو كاذب ويلزمه ثبوت العجب لأنّ نفي النفي إثبات كما مرّ في نحو : * ( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَه ُ ) * ، وأمّا على كونها للتقرير فلا فرق بينهما لأنها هنا أيضا للتقرير بما بعد النفي أي حملهم على الاقرار بثبوت العجب . وعلى أىّ تقدير فالمقصود من الكلام بقرينة الحال والمقام حثّهم على رفع ما أوجب التعجّب عن قبلهم وهو تفرّقهم عنه واختلافهم عليه . كما أشار إلى تفصيله بقوله ( إنّ معاوية يدعو الجفاة الطعام ) أي الأراذل والأوغاد من الناس ( فيتّبعونه ) ويجيبون دعوته ( على غير معونة ولا عطاء ) قال الشارح المعتزلي : الفرق بينهما انّ المعونة إلى أنجد شيء يسير من المال يرسم لهم لترميم أسلحهتم وإصلاح دوابهم ويكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا والعطاء المفروض شهرا فشهرا يكون شيئا له مقدار يصرف في أثمان الأقوات ومعونة العيال وقضاء الدّيون . فان قلت : كيف يجتمع قوله فيتّبعونه على غير معونة ولا عطاء بما هو المعروف من بذل معاوية وأنه يمدّ جيشه بالأموال والرغائب . قلت : قد أجاب عنه الشارح المعتزلي بأنّ معاوية لم يكن يعطى جنده على وجه المعونة والعطاء ، وإنما كان يعطي رؤساء القبايل من اليمن وساكني الشام الأموال الجليلة تستعبدهم بها ويدعو أولئك الرؤساء أتباعهم من العرب فيطيعونه ، فمنهم من يطيعهم حمية ومنهم من يطيعهم دينا للطلب بدم عثمان ، ولم يكن يصل إلى هؤلاء الأتباع من أموال معاوية قليل ولا كثير ، وأما أمير المؤمنين فإنه كان يقسم بين الرؤساء والاتباع على وجه العطاء والرزق لا يرى شريف على مشروف فضلا